ابن الجوزي

156

بستان الواعظين ورياض السامعين

فاللّه اللّه عباد اللّه اجتهدوا واستعدوا للموت ، وبادروا آجالكم قبل الفوت ، تفوزوا بالجنان في دار الرحمن . وأنشدوا : لملك الموت في الدنيا ديون * تحل فليس يمطلها المطول وكلّ العالمين بها مليّ * فليس له على أحد جميل سواء إذ يحلّ على غريم * عليه ذوو التعزز والذليل فاللّه اللّه معاشر المسرفين لا تغتروا بالعز والمال ، فإن الموت لا يهاب الكبير الجليل ، ولا يرحم الحقير الذليل ، فكونوا منه على حذر وأعدوا له صالح الأعمال ، من قبل أن يأتي يوم لا حيلة فيه لمحتال . يا إخواني إلى كم هذه الغفلة ؟ إلى كم هذا التمادي في البطالة والاغترار بالمهلة ؟ وأنشدوا : يا أيها الناس كان لي أمل * قصّر عن بلوغه الأجل ما أنا وحدي نقلت حيث تروا * كلّ إلى مثله ينتقل فليتق اللّه ربّه رجل * أمكنه في حياته العمل [ 269 ] حث النبي أصحابه على ذكر الموت روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان في بيت بعض نسائه إذ سمع صوتا في مجلس من مجالس أصحابه وقد استعلى على حديثهم الضحك ، فخرج عليهم صلوات اللّه وسلامه عليه حتى قام على رؤوسهم فقال : « أرى الضحك قد غلب على مجلسكم هذا ، أفلا تذكرون مكدّر اللذات في أثناء حديثكم ؟ » قالوا : وما مكدّر اللذات يا نبي اللّه ؟ قال : « ذكر الموت » فبكى أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأجمعهم . فإذا كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مصابيح الإسلام ، وقادة الأنام ، السادة الكرام ، رجع ضحكهم بكاء من هول يوم الحمام وقد أفنوا أعمارهم في طاعة ذي الجلال والإكرام ، وقطّعوا أيامهم في العمل بالسنة والأحكام ، فكيف بمن تمادى في المعاصي والإجرام والطغيان والآثام ، وأكلوا الربا والحرام ، وأموال الضعفاء والأيتام ؟ وأنشدوا : الموت في كل حين ينشر الكفنا * ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تطمئن إلى الدنيا وزهرتها * وإن توشحت من أثوابها المحنا أين الأحبة والجيران ما فعلوا * أين الذين همو كانوا لنا سكنا